هناك لوحة في طريقنا نحو المجهول تحتاج وقفات , فهي تارة تدب فينا الحزن وتوقد فينا إحساس الغياب , وتارة تشعرنا بأن هناك مدبر للكون فلنرضى بالقسمة فالموت باباً وكل الناس داخله ..

الثاني والعشرين من رمضان؛

استقبل مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض جسداً تقاطر منه الطهر واحتشم بالطيبة والبسمة الأسره , مُددت على السرير الأبيض , طال الانتظار فمحطة القطار لاتسع الجميع , سكن الخوف الصدور , لحظات كئيبة مرت ببطء وكان الزمن توقف عند أقدامها , مرت الدقائق كسنوات , ومع كل دقة هاتف يتسارع خفقان القلوب والحزن يملئ لحظات الانتظار والقلوب أصبحت تعج بالقلق ..

مع كل دقة من دقات أجهزة العناية المركزة كانت تزيد رصيد الحب لها في قلوب أبنائها ويزداد تعلقهم بأمهم كطفلاً بالمهد لم يحبوا بعد ...

كانت جنبات المستشفى لاتسع حزنهم العظيم الذي يفجر من الصخور عيونناً ..

مرت الأيام بلونها الأسود الباهت , ومر العيد مأتما يجر معه أذيال الحزن والبسمة المكسوفة تلون لحظاته بلونها الملطخ بالقلق والترقب ..

سار العيد بلا طعم ولانكهة , كان لابد من التوجس الموجع فقد بات الخبر المحزن قريباً , ولكن النفس لاتؤمن والصبر ليس بسهل عليها
,
فلا بد للعين أن تدمع وللقلب أن يحزن وللبسمة أن تذوب ..

الخامس من شوال ؛

كسرة البسمة وقرع جرس النذير وأذيع الخبر ..

كان صباحاً يعج بالبكاء والعويل فقد رحل الجسد الطاهر ووري الثراء , رحل أبنائها وتركوها وحيدة بلا عائل لكن القلب يتقطع حسرة وألماً ..

مساء الحزن والغياب ؛

فتحت الأبواب وأستقبل الناس في المنزل للعزاء , دقائقه مرت سريعة , محشوة بالتفكير , سالت الدموع الحارة التي نفست من حقنة الحزن قليلاً لكن الذكرى للأحباب ملازمة حتى الموت ..

أم خالد ؛
أحد عشر عاماً على السرير الأبيض , أمراض مستعصية , ولكن بسمة تسللت فمحت خُطئ اليأس المغتال , إمرة طاعنة في السن فقد بلغت من الكبر عتيا وأسدلها المرض على سريرها الأبيض لكن بسمتها تكسر الصخور الصلاب ففيها دروساً من العظمة والتحمل والصبر ..

بضعة وسبعون عاماً حملة بين جنبتها حباً للحياة ودروساً من الصبر يصرخ منها كتاب التاريخ وينحني لها الزمن منكس الرأس , علمت أن الحياة ليست بالصحة فصبرت , علمت أن الحياة هي التفاؤل فحلقة في سماء الأريج الفواح وبثت بسمات الرضاء بالقضاء والقدر ..

جدتاه ؛

جسدك تحت الثراء لكن روحك لاتزال تسكُنٌي , وأحن لمراتع الصبا القديمة وشقاوة الطفولة ففي أحضانك عشنا طعم الطفولة الضاحكة البريئة ..

لم ترحلي من الذاكرة والدعوات لكي ماحيينا, وفي الجنة الملتقى بإذن الله ..

قدس الله روحكِ , وجعل لكي من الفردوس منزلاً , ومأوى ومثوى ونزلاً ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الهزيمة والفجر

امتي...للشاعر عمر ابو ريشه رحمه الله.

هكذا هي الحياة ..