الهزيمة والفجر





الهزيمة والفجر

الـربــاط: في 26 من رمضان 1387

... ووقعت الواقعة، وقد مهد لها بالفتن وبحرب اليمن وكانت الضرب وهزيمة والنكبة أكبر من أي شعر يقال فيها...

وأطلت ذكرى مرور أربعة عشر قرناً على نزول القرآن المجيد فاحتفى بها المغرب كل المغرب باجتماعات ذكر ومحافل شعر وفكر دعا لها صفوة من علماء الإسلام الأعلام وأقام حزب الاستقلال مهرجاناً حاشداً، طلبت مني قصيدة، فاعتذرت لأنني لا أستطيع الشعر بالطلب، ولأنه انقطع عني منذ الهزيمة النكراء...

وكنني استيقظت ليلة القدر – وهي ليلة المهرجان – على بيت من الشعر، نظمته في تجليات النوم، وانطلقت منه قصيدة طويلة، ألقيتها مساء ذلك اليوم...



على بــــراق من الإشراق منطلقي

من حومة الهم واللأواء والقــلق

في مطمحي أمل، لم تخب جذوته

برحمة الله، والأعباء في عنقي

أرنو إلى الله، والضراء تحدق بي،

ونكبة المسجد الأقصى على حدقي

دم الفؤاد، ودمع العين، من لهب

ذوب، وزفرة صدري الجمر في الحرق

على منابت تاريخ، وأرض هدىً

من الرسالات ذات الجذر والسمق

على "الخليل" وكم ضاءت منائرها

في المسجد الحرم الأسنى من اليقق*

على مرافع عيسى جلّ رافعه

على المراتع أرست غصة الحـُـلق

على مرابع قدس المجد، باركها

وحولها الله، وهي اليوم في الرِّبق*

مسرى الرسول وأولى القبلتين بها

وا حرّ قلباه، ماذا للفخار بقي!

عيناي عيناي، ويل الهول صورته

في أدمعي، حيثما يمّمت من أفق

مالي أرى الصخرة الشمّاء في كمد

تذوي، وعهدي بها مرفوعة العنق

ومنبر المسجد الأقصى يئن أسىً

قد كان يحبو الدنى من طهره الغدق

واليوم دنسه فجر ألمّ به،

من بغي شعب اليهود الدّاعر الفُسق*

وللعذارى، العذارى المسلِمات على

أعوادِه ضمّةُ المُوفي على الفرق

لو استطاع لألقى نفسه حمماً

صوناً لهم، ودك الأرض من حنق

وظلت الكعبة الغراء باكية

وغم كل أذان غمة الشرَق

قد كابروا الله، واستعلوا على سفهٍ

منى كواذب، دعوى غيرُ معتنق!

وأعلنوها، وما خاضوا معامعها

ولا أعدوا لها إعداد ذي حذق!

فكان من أمرنا ما كان من فشل

هذي جحافلهم مهزمة المِزَق*

بهم هُزمنا وما زلنا، وما اتعظت

عُمْيُ النفوس!! ألا إن الشقي شقي

فيا فجيعة شعب مد كاهله

ليصعدوا منه، في أبنائه العقق*

ويا حبائلهم لفي الشباك على

أعناقهم، واخنقي الطغيان واختنقي

جرح، وأعمق من صبر ومن جَـلـَدٍ

خرقٌ، وأكبر من عُمْر ومن رَتـَق

لقد نُكِبنا، وما خضنا، ولا هُزم

الأبطال في السجن، والأقطاب في الشنق*

بلى نكبنا، بما قد ناب أمتنا،

والخطب من قلبنا في أعمق العُمُق

لا يأسَ فالحرب أقدار ودائرة

وإنه طبق يأتي على طبق

مكبلون، ولكن في غدٍ نبأٌ

يا نجم مَزِّق ظلام الليل وائتلق

لسنا نبالي، وللقرآن في دمنا

جذىً* من العزم تطوي شقة اللحق

غدا سيشرق بالإسلام طالعنا

رغم الصعاب، وتجلو غرة الفلق

والنصر بالصبر والإيمان معقده

والمجد بالعزم والإعداد والسبَق 



الأديب / عمر بهاء الدين الأميري | من ديوان نجاوى محمدية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

امتي...للشاعر عمر ابو ريشه رحمه الله.

هكذا هي الحياة ..